كنت جالسة تحت ضوء الشمس في الساعة الثامنة صباحًا، أتأمل بلا أي صوت خارجي؛ فقط أنا وصوتي الداخلي، وفجأة خطرت في بالي فكرة عن اللغة، أو بالأصح نقاش عن اللغة العربية، كان نقاشًا جميلًا، لكنني رأيت فيه شيئًا يخدش مكانة اللغة، فأحزنني ذلك، وتجاهلت الموضوع حينها، ولم أكن أعلم أنه سيعود إليّ مرة أخرى لأكتب لكم هذا الكلام.
الكثير منا يدرس في الجامعات أو المدارس مناهج باللغة الإنجليزية، فنبدأ أحيانًا برؤية لغتنا العربية على أنها أقل من أن تكون لغة للعلوم
والمناهج، ونقلل من قيمتها لأن العالم لا يتحدث بها كما نتحدث نحن، رغم ذلك، تبقى العربية لغة قوية وعريقة، ليست صعوبتها في تعلمها فقط، بل في العمق الذي تحمله في تاريخها، وكلماتها، وأصواتها التي قد لا تجد مثلها في لغات أخرى.
كل حرف تراها أو كلمة تظن أنها جاءت عبثًا، ستجد وراءها قصة وتاريخًا طويلًا ويكفيها شرفًا أنها لغة القرآن الكريم، هل رأيت شخصًا يقرأ القرآن ويكون جاهلًا؟ من يلازم القرآن غالبًا ترى فيه أثرًا من العلم والفهم وحسن التفكير.
اللغة العربية تنمّي العقل، وتربط الإنسان بمعانٍ واسعة، فما بالك بمن يقرأ القرآن ويتدبره؟ بالنسبة لي، درست مع أشخاص كثيرين كانوا حافظين للقرآن، ما شاء الله، وكانوا من أكثر الناس ثقافة ورقيًا، كان يعجبني هذا الأمر في كل مرة ألتقي فيها بشخص حافظ للقرآن، أجد فيه صفات متشابهة: ذكاءً، وحسن تفكير، وعمقًا في النقاش، وتأنّيًا قبل الكلام.
سأحكي لكم قصة خاصة عن أخي الصغير، عمره تسع سنوات، تعلّم الإنجليزية بسهولة، لكنه لا يستطيع نطق العربية أو كتابتها بالشكل الصحيح، وأحيانًا يخلط بين الكلمات العربية والإنجليزية، حاولنا كثيرًا مساعدته، والمزعج في الأمر ليس أنه لا يريد التعلم، بل إنه يريد ذلك، لكن المشكلة أن كل معلم يعلمه بطريقة مختلفة، وبعضهم يعلّم اللغة كأنها مجرد لغة عامية، مع أنها ليست كذلك، المعاناة ليست من اللغة نفسها، بل من طريقة تعليمها.
من المؤسف أن بعض من يعلّمون اللغة العربية لا يقدمونها بالشكل الذي يليق بها، بينما لو كانت لغة أخرى لحرصوا على تعليمها بطريقة صحيحة، لذلك لا تقل إن العربية صعبة أو إنها أقل من الإنجليزية؛ نعم، هي ليست كالإنجليزية، لكنها تحمل جمالًا وعمقًا مختلفًا.
قد يبدو كلامي مبالغًا فيه، لكن من يقرأ تاريخ اللغة العربية سيجد أمامه موسوعة واسعة من العلم والثقافة، أما الإنجليزية فهي لغة سهلة في التعلم والاستخدام، وهذا أمر جميل فيها، لكنها تختلف عن العربية في طبيعتها وثرائها.
كنت سابقًا عندما يُسألني أحد عن قواعد اللغة العربية أتردد في الإجابة؛ لأنني لا أعرفها كما ينبغي نعم أنا عربية، لكنني لم أكن أعرف لغتي حق المعرفة، بعكس الإنجليزية، كنت أستطيع ذكر قواعدها وتفصيلها، حينها أدركت أنني لم أعطِ لغتي حقها، ولم أكن أعتز بها كما يجب.
والآن أحاول بقدر استطاعتي أن أتعلمها أكثر، وكلما تعلمت شيئًا جديدًا فيها شعرت بشعور رائع؛ كأنني أكتشف موطني من جديد، هناك متعة خاصة في فهم كلماتها ومعانيها، وشعور بالاكتفاء لا أجده في شيء آخر.
أنا لا أقول اتركوا اللغات الأخرى أو لا تتعلموها، بل تعلموا كل ما ينفعكم، لكن لا تنسوا لغتكم ولا تجعلوا منها شيئًا أقل قيمة، لا تجعلوا من لا يعرف لغتكم حق المعرفة يعلّمكم إياها بطريقة تضعفها.
بالنسبة لي، أحب اللغة العربية كثيرًا، ولو أردت وصفها بجملة واحدة لقلت: هي لغة تستطيع أن تصف مشاعري بكل الطرق، وتمنحني الكلمات التي أحتاجها، وتشعرني بأنني أجد نفسي فيها.

